السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

207

مفاتيح الأصول

وجوه منها أنه يفهم منه عرفا ذلك وينتقل إليه الذّهن بعد الانتقال إلى المنطوق ولهذا فهم يعلى بن أمية وعمر من قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض الآية انتفاء القصر عند انتفاء الخوف فإنهما سألا عن سبب القصر مع الأمن وليس ذلك إلا للدلالة ويؤكده تقرير النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم السائل على فهمه فإنه صلى الله عليه وآله أجاب بعد السؤال بأنه صدقة من اللَّه إذ لولا الدلالة لأجاب بأن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه ويؤكد ما قلناه ما روي من أنه لما نزل قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله قال النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لأزيدن على السّبعين فإن هذا القول منه صلى الله عليه وآله يدل على أنه صلى الله عليه وآله فهم حصول الغفران بالاستغفار زائدا على السبعين ويؤكد ذلك أيضا قول مولانا الصادق عليه السلام في قوله تعالى فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون واللَّه ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم عليه السلام إنما فعله كبيرهم هذا إن نطقوا وإن لم ينطقوا فلم يفعله كبيرهم هذا شيئا وأجيب عن جميع ما ذكر أما عن التبادر فبالمنع منه كما سيأتي إليه الإشارة وأما عمّا روى عن يعلى بن أمية فأولا بضعف السند وثانيا بمنع الدلالة لعدم معلومية أن سؤال يعلى لما ذكروه لاحتمال أن يكون فيه علمه بأصالة الإتمام وأن الذي خرج منها حالة الخوف فاستفسر عن سبب إلحاق حالة الأمن به وأما المنع من الأصل لما روي عن عائشة أنها قالت الصّلاة في السّفر والحضر ركعتان فأقرت في السفر وزيدت في الحضر فيدفعه صدق لفظ القصر على صلاة السّفر إذ هو عبارة عما جوز الاقتصار عليه بعد أن كان الزائد مطلوبا وأما عن حديث الاستغفار فأولا بضعف السّند وثانيا بمنع الدّلالة للمنع من فهمه صلى الله عليه وآله ذلك وقوله صلى الله عليه وآله لأزيدن لعلَّه لاستمالة القلوب سلمنا الفهم ولكن لعله باعتبار مفهوم العدد وأيضا إن مقتضى المنطوق نفي المغفرة بالسّبعين قطعا لأن خبر الله تعالى صدق فمفهومه لا بد أن يكون ثبوت المغفرة بما زاد عليها قطعا لأن المفهوم لا بد أن يكون نقيض المنطوق وذلك خلاف الإجماع ومنها أن كلمة إن للشرط وهو ما يلزم من انتفائه انتفاء المشروط أما المقدمة الأولى فلوجهين أحدهما أنه لا فرق بين أن يقول إن جاءك فأكرمه وبين أن يقول يجب إكرامه بشرط مجيئه ويعبر عن مضمون كلّ منهما بالآخر وليس ذلك إلا لاتحاد معناهما ومما يؤكد ذلك أنه لو نذر أن لا يشترط فقال إن جاءك فأكرمه كان عاصيا وثانيهما تصريح النحاة فيما حكى عنهم جماعة بأن كلمة إن حرف الشرط وإجماعهم حجة وأما المقدمة الثانية فلوجوه الأوّل أن المتبادر من لفظ الشرط حيثما يطلق ما ذكرناه فإنه إذا قيل يشترط في وجوب الصّلاة دخول الوقت وفي وجوب الزكاة الحول وفي صحة الصّلاة الطهارة فإنه يفهم من غير شك الحكم بانتفاء المشروط بانتفاء شرطه الثاني أن الأمة متفقة على أن الحياة شرط لوجود العلم وكذا القدرة والإرادة ونحو ذلك وأن الحول شرط لوجوب الزكاة وحكموا بانتفاء العلم والقدرة والإرادة عند عدم الحياة وبانتفاء الزكاة عند عدم الحول ولولا أن مقتضى الشرط ذلك لما كان الأمر كذلك الثالث أن الشرط لا يلزم من وجوده وجود المشروط لأنه ليس علَّة له ولا مستلزما فلو لم يستلزم عدمه عدم المشروط لجاز أن يطلق على كلّ شيء أنه شرط لكلّ شيء وهو باطل قطعا وأجيب عن هذه الحجّة أولا بالمنع أولا من المقدّمة الأولى وتصريح النحاة غير حجّة لاحتمال أن يكون ما ذكروه اصطلاحا لهم ومما يعضد ما ذكر أن كلمة إن لو كانت للشرط يلزم أن لا يترتب الجزاء على وجود الشرط فإن الشرط لا يلزم من وجوه الوجود وثانيا بالمنع من المقدمة الثانية فإن لفظ الشرط كما يستعمل فيما يلزم بانتفائه الانتفاء كذا يستعمل في العلاقة وهو الذي يلزم من وجوده الوجود ومنه اشتراط الساعة وفلان شرطي والأصل أن يكون حقيقة في مطلق التلازم رفعا للاشتراك والمجاز ومما يشهد بكون الشرط فيما إذا كان التلازم من حيث الوجود حقيقة دون العدم تصريحهم بأن استثناء نقيض تالي الشرطية ينتج نقيض مقدمها دون استثناء نقيض مقدمها فإنه لا ينتج شيئا نحو إن كان هذا إنسانا فهو حيوان لكنه ليس بحيوان فليس بإنسان فلا يصحّ أن يقال لكنه ليس بإنسان فليس بحيوان فإن إطلاق الشرط هنا ليس إلا باعتبار التلازم في الوجود وكونه مجازا بعيد ولعل النحاة قصدوا هذا وقد أشار إليه بعض المحققين فقال الشرط عند النحويين مدخول إن بخصوصه وكذا عند المنطقيين وأما ما ادعوه من التبادر فهو ممنوع وأما ما حكوه عن الأمة فليس فيه دلالة على أنّ الشرط حقيقة فيما ذكروه لجواز أن يكون ذلك أحد ما يستعمل فيه لفظ الشرط وأما الوجه الثالث فجوابه أن اعتبار التلازم في الجملة فيه يمنع من اشتراك ما ليس فيه التلازم أصلا معه نعم قد يقال أن ما ذكر يتجه لو جاز تعدد الشرط فإنه لا يعلم حينئذ من إطلاقه أنه مما ينتفي بانتفائه لجواز أن يريد به ما يقتضي التلازم في الوجود وهو لا يستلزم ذلك لإمكان قيام غيره مقامه كما في نواقض